لمحة عن الحياة الدستورية

رسخ حكام دولة ​الكويت على مدار الحقب المختلفة دعائم الحياة السياسية السليمة التي يرتكز نهجها على مبدأ الشورى مقتدين في ذلك بما حث عليه الدين الإسلامي الحنيف ، وكان هذا بيناً منذ بدايات نشأة الدولة حيث كان اختيار أول الحكام الشيخ صباح الأول قائم على تبادل الرأي والتشاور ، ثم جاءت وثيقة 1921م لتكرس مفاهيم الديمقراطية فنجد أهل الكويت يطالبون بالعمل بنظام الانتخاب كما نص البند الخامس من تلك الوثيقة ، وفي العام الآنف الذكر كان تشكيل أول مجلس للشورى في منطقة الخليج حيث ضم اثنى عشر شخصا من رجالات وأعيان الكويت تم اختيارهم بالتعيين ، وتوالت بعد ذلك الممارسات الديمقراطية فكانت الانتخابات السمة الأساسية لاختيار مجلس البلدية عام 1934م ، ثم مجلس المعارف 1936م ، فالمجلس التشريعي عام 1938م ، وبعد الاستقلال في العام 1961م شهدت الكويت تحولا ملموسا لإقامة حياة دستورية ونيابية بنهج جديد حيث تم وضع دستور دائم للبلاد يؤسس لحياة نيابية متطورة تقوم على أسس متينة ، وما تلاه من إنشاء مجلس تشريعي (مجلس الأمة) ليكون المعبر عن الإرادة الشعبية.

وبدأت عملية التحول نحو إقامة حياة دستورية متطورة في دولة الكويت بإصدار القانون رقم (1) لسنة 1962م الخاص بالنظام الأساس للحكم في فترة الانتقال من الإمارة إلى الدولة ، والذي كان بمثابة دستور مؤقت تم تطبيقه خلال فترة الانتقال لحين صدور الدستور الدائم.

وقضت المادة الأولى من المرسوم بأن يقوم المجلس التأسيسي بإعداد دستور يبين نظام الحكم على أساس المبادئ الديمقراطية المستوحاة من واقع الكويت وأهدافها ، كما تضمن المرسوم الدعوة إلى إجراء انتخابات عامة لاختيار أعضاء المجلس التأسيسي (عشرين نائباً(

وأعقب ذلك صدور قانون لانتخاب أعضاء المجلس التأسيسي ، حيث قُسمت الكويت إلى عشر دوائر بواقع نائبين لكل دائرة .

وتجدر الإشارة إلى أن المجلس كان يضم في تشكيلته أعضاء بحكم وظائفهم وهم الوزراء (أحد عشر عضواً) ، مما يعني أن عدد أعضاء المجلس كان (31) عضواً.

وبعد أن تم تشكيل المجلس التأسيسي بدأ العمل في إعداد الدستور، وتم انتخاب لجنة فرعية شُكلت من خمسة أعضاء أُطلق عليها “لجنة الدستور". وكانت مهمة اللجنة إعداد مشروع الدستور، ثم عرضه على المجلس التأسيسي لمناقشته وإقراره.​

وتجدر الإشارة إلى أن المجلس التأسيسي لم يكن ينفرد بهذه المهمة ، وإنما كان يشاركه فيها الأمير، إذ لم يكن مشروع الدستور الذي يقره المجلس نافذاً إلا بعد التصديق عليه من الأمير وإصداره.

وعندما انتهت اللجنة من وضع مشروعها النهائي للدستور عرضته على المجلس التأسيسي الذي أقره بالإجماع ، ويشار في هذا الخصوص إلى أن الأعضاء في المجلس بحكم وظائفهم أي "الوزراء" قرروا الامتناع عن التصويت على الدستور رغبة منهم في أن يتركوا هذا الأمر للأعضاء المنتخبين وحدهم.

وقام المجلس بتقديم مشروع الدستور إلى أمير البلاد الذي صدق عليه وأصدره في 11 نوفمبر سنة 1962م دون أي تعديل.

وقد احتوى الدستور على (183) مادة مقسمة على خمسة أبواب أساسية (الدولة ونظام الحكم ، المقومات الأساسية للمجتمع الكويتي ، الحقوق والواجبات العام ، السلطات ، أحكام عامة وأحكام مؤقتة) ، علاوة على مذكرة تفسيرية للدستور.

وبعد اقرار الدستور بدأت عملية التحول نحو إقامة حياة نيابية متطورة في الكويت بإنشاء مجلس تشريعي أُطلق عليه “مجلس الأمة". حيث نصت المادة (51) من الدستور على أن “السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة وفقاً للدستور".

وقد جاءت هذه الخطوة تجسيداً لفكرة “المشاركة الشعبية" التي ازدهرت خلال فترة الستينات من القرن الماضي، والتي أكدت عليها المادة (6) من الدستور بقولها: “نظام الحكم في الكويت  ديمقراطي ، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور".

ومن ثم فقد صدر القانون رقم (35) لسنة 1962م في شأن انتخاب أعضاء مجلس الأمة، حيث صدرت الدعوة إلى انتخاب أول مجلس أمة، وأجريت الانتخابات في 23 يناير 1963م.

ويرجع قيام مجلس تشريعي في الكويت (مجلس الأمة) في الأساس إلى دعم الأسرة الحاكمة لوجود مجلس تشريعي ، وبخاصة سمو الامير الراحل الشيخ عبد الله السالم الصباح (رحمه الله) الذي يعتبر المشجع الأول لتأسيس مجلس الأمة، وأيضاً المطالبات المنادية بتأسيس مجلس تشريعي من جانب الصحافة والنوادي والحركة العمالية والشخصيات الكويتية الإصلاحية وفئة التجار، وكذلك بيئة الكويت التي تتسم بالديمقراطية في نشأة حكمها ، حيث كان استعانة الحاكم برأي المحكومين أمراً قديماً وتقليدياً قبل أن يكون للكويت دستور، لذا فقد قيل أن وضع الدستور الكويتي لم يكن أمراً جديداً إلا من حيث الشكل.

وقد ركز أول مجلس نيابي منتخب (مجلس الأمة) في الكويت على عملية الإصلاح في البلاد وتنظيم الدولة في كافة المجالات الاقتصادية والأمنية والإدارية ووضع أسس الدولة الحديثة.​